10 القلوب والسيوف

سيكولوجية كربلاء

آلافٌ من أهل الكوفة كانوا يؤمنون بأنّ الحسين على حقّ. وآلافٌ من هؤلاء أنفسهم خرجوا لقتاله. ليست هذه حكايةً عن وحوش، بل حكايةٌ عنّا — وقد قاس علم النفس الحديث كلّ خطوةٍ فيها.

ابدأ

«قلوبُ الناس معك، وسيوفُهم مع بني أميّة»

الشاعر الفرزدق للحسين، على الطريق الخارج من مكّة · سجلّ تاريخي

اللغز

كيف غيّرت مدينةٌ رأيها في يومين

في صيف عام 680، كان مسلم بن عقيل، رسول الحسين، قد تلقّى بيعة آلافٍ كثيرة من أهل الكوفة — ثمانية عشر ألفًا في إحدى الروايات. ثمّ دخل المدينةَ والٍ جديد، هو عبيد الله بن زياد. فاعتقل هانئ بن عروة، الزعيم المحترم الذي كان يُؤوي مسلمًا. وجمع زعماء القبائل في قصره، وجعلهم يحذّرون قومهم من أنّ جيشًا من الشام في الطريق. وأشاع أنّ الأعطيات ستُقطَع وأنّ الأسر ستُعاقَب.

تفرّقت الجموع من حول مسلم في عصرٍ واحد. وحين جاء المساء كان يهيم في الطرقات وحده. وفي غضون أسابيع، كان كثيرٌ من الرجال الذين كتبوا إلى الحسين في الجيش المعسكِر قبالته في كربلاء.

سجلّ تاريخي الطبري · والأعداد مختلَفٌ فيها

إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ

وقد شخّص الحسين نفسه ما جرى. ففي كلامٍ له في أصحابه، يحفظه أحد المصنّفات، قال: «إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ».

رواية ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول (القرن العاشر الميلادي)؛ وليست عند الطبري

ستّ قوى

ما الذي يقلب الطيّبين على ما يؤمنون به

تجمع كلّ بطاقةٍ بين أمرٍ حدث سنة 680 وأمرٍ رصده علماء النفس لاحقًا لدى أناسٍ عاديين في ظروفٍ مضبوطة. المقارنات من عندنا؛ أمّا الأبحاث فحقيقية.

680 · الكوفة

«انصرف، الناسُ يكفونك»

جاءت الأمّهات والأخوات إلى الرجال المجتمعين حول مسلم، وسحبنهم بعيدًا بهذه الكلمات. وافترض كلٌّ منهم أنّ غيره هو الذي سيثبت.

سجلّ تاريخي

تشتّت المسؤولية85% ← 31%

في دراسةٍ أجراها دارلي ولاتانيه عام 1968، هبّ 85% ممّن ظنّوا أنّهم وحدهم يسمعون شخصًا تنتابه نوبةُ صرعٍ لنجدته في الوقت المناسب. وحين ظنّوا أنّ أربعةً آخرين يسمعون، لم يفعل ذلك إلا 31%.

680 · الجيش

أوامر الوالي

قال القادة لرجالهم إنّهم ينفّذون تعليمات الكوفة لا أكثر، وقال الوالي الشيء نفسه عن دمشق. وظلّت المسؤولية تصعد إلى أعلى حتى لم تعد تخصّ أحدًا في الميدان.

تأويل

الطاعة للسلطة65%

في تجربة ستانلي ميلغرام عام 1963، واصل 26 من أصل 40 رجلًا عاديًّا إعطاء ما ظنّوه صدماتٍ كهربائية خطيرة لشخصٍ غريب، حتى أقصى درجة، لأنّ رجلًا في معطف المختبر طلب منهم أن يستمرّوا.

680 · الشوارع

الجميع يرحلون

كلّما تفرّقت الجموع من حول مسلم، سهّل كلُّ من رحل الرحيلَ على من بعده. ومع حلول الليل، صار البقاء يتطلّب شجاعةً أكبر ممّا تطلّبه المجيء.

سجلّ تاريخي

الامتثال75%

في تجارب سولومون آش على الخطوط (1951)، وافق ثلاثةٌ من كلّ أربعة أشخاص، مرّةً واحدة على الأقلّ، جماعةً كانت على خطأٍ واضح. جرّب بنفسك أدناه.

680 · الريّ

الترقية

عُرضت على عمر بن سعد ولايةُ إقليمٍ فارسيٍّ غنيّ — بشرط أن يفرغ من أمر الحسين أوّلًا. وتصفه المصادر متردّدًا يتعذّب، ثمّ قابلًا.

سجلّ تاريخي

التنافر المعرفي1957

بيّن ليون فستنغر أنّ أفعالنا حين تناقض معتقداتنا، كثيرًا ما نغيّر المعتقد لا الفعل — ثمّ ندافع عن المعتقد الجديد بشراسةٍ أشدّ ممّا دافعنا عن القديم.

680 · دمشق

«متمرّدون»

حوّلت لغة السلطة سِبطَ النبيّ إلى رجلٍ شقّ عصا الجماعة، وأهلَ بيته إلى متمرّدين أسرى. وتقول الرواية إنّ بعض الحشود في الشام لم تكن تعرف مَن هؤلاء الأسرى.

رواية

التنصّل الأخلاقيالتسميات

وصف ألبرت باندورا كيف يُطفئ الناس ضمائرهم: فالتسميات الملطِّفة، ولوم الضحية، ولغة نزع الإنسانية، تجعل القسوة تبدو مقبولة، بل عادلة.

680 · الجنود

رجالٌ عاديّون

لم يكن أكثر رجال الجيش متعصّبين. كانوا أبناء قبائل لهم أعطياتٌ وعائلاتٌ وديونٌ وشيوخ — وهم أنفسهم الذين هتفوا لمسلم بن عقيل قبل أسابيع.

تأويل

تفاهة الشرّ1963

خلصت حنّة أرندت، وهي تتابع محاكمة موظّفٍ نازيّ، إلى أنّ الجرائم الكبرى كثيرًا ما يرتكبها لا وحوشٌ، بل أناسٌ عاديّون كفّوا عن التفكير فيما يفعلون.

مراجع البحث دارلي ولاتانيه 1968؛ ميلغرام 1963؛ آش 1951، 1956؛ فستنغر 1957؛ باندورا 1999؛ أرندت 1963.

جرّبها

هل كنتَ ستثق بعينيك؟

كسر السِّحر

ما عرفه الاثنان والسبعون عن الشجاعة

الأبحاث نفسها التي تفسّر لماذا انهارت الكوفة تفسّر أيضًا لماذا لم ينهَر قلّةٌ من الناس. وكلّ ترياقٍ منها كان حاضرًا في كربلاء.

حليفٌ واحد يغيّر كلّ شيء

حين أعطى شخصٌ واحد في مجموعة آش الجواب الصحيح، كفّ أكثر المشاركين عن مسايرة الأغلبية. وفي كربلاء، كان كلّ مَن ثبت يسهّل الثبات على من بعده: عبر الحرّ إلى الحسين في الصباح نفسه، والآخرون يرونه يفعل.

«الأمر يعود إليّ»

يتحرّك المتفرّجون حين يشعرون بأنّ المسؤولية تقع عليهم شخصيًّا. وقد جعل الحسين المسؤولية شخصية: لم يخاطب الجمع، بل أحلّ كلّ واحدٍ بمفرده، فكان كلّ مَن بقي قد قرّر بنفسه.

وقتٌ للتفكير

يفعل الضغط فعله أسرع ما يكون في مَن لا يملكون وقتًا للتأمّل. طلب الحسين من أعدائه ليلةً واحدة — ومنح أصحابه تلك الليلة نفسها ليختاروا. لم يُستعجَل أحدٌ في كربلاء على البقاء.

رؤية الآليّة

في البَيضة، وفي صباح عاشوراء، خاطب الحسين الجنود مباشرةً عمّا يُدفَعون إلى فعله، وعمّن يُدفَعون إلى قتله. وتسمية الضغط أولى خطوات مقاومته.

أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ

عليّ بن أبي طالب، والد الحسين رواية · نهج البلاغة، الخطبة 201

ويمضي عليٌّ في الخطبة نفسها: «إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَالسُّخْطُ، وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا».

تأويل الربط بين الوقائع التاريخية ونتائج الأبحاث اجتهادٌ من هذا الموقع.

توقّف وتأمّل

متى كانت آخر مرّةٍ صمتَّ فيها وسط جماعة لأنّ الجميع صامتون؟