07 المبادئ

من أجل ماذا ثار؟

لم يترك بيانًا مكتوبًا، ولم يؤسّس دولة. ترك جُملًا قليلة قالها في طريقٍ صحراويّ، واختياراتٍ قليلة كلّفته كلّ شيء. وفي داخلها خمسة مبادئ لا يزال الناس، من كلّ دين، يتعرّفون إليها.

ابدأ

قبل أن نبدأ

لم يكتب قائمةً قطّ. لقد عاشها.

لم يكتب الإمام الحسين رسالةً في السياسة. ما بقي منه رسائل، وخطبٌ قصيرة في الطريق، وأحاديث حفظها من كانوا هناك، وحفنةٌ من القرارات اتُّخذت تحت ضغطٍ شديد. وقد جمع كثيرًا من ذلك المؤرّخ الكوفيّ أبو مِخنَف من شهود العيان وذويهم، وحفظه تاريخ الطبري الكبير.

يجمع هذا الفصل تلك الأقوال والأفعال حول خمسة مبادئ: العدل، والحرية، والكرامة، والحقّ، والضمير. والتصنيف من عندنا؛ إنه طريقةٌ لقراءة الحكاية، لا قائمةٌ وضعها هو. لكنّ كلّ اقتباسٍ وكلّ لحظةٍ تحته مُعلَّمان بمصدرهما.

وأمران يسريان تحت المبادئ الخمسة كلّها. الإيمان هو الجذر: كان يؤمن بأنه سيقف بين يدي الله، وهذا الإيمان جعل الثمن محتملًا. والرحمة هي الأسلوب: حتى في أشدّ اللحظات، تمسّك بمبادئه بلا قسوة.

تأويل تصنيف المبادئ الخمسة قراءةٌ يقدّمها هذا الموقع

العمود الفقري لهذا الموقع

خمسة أشياء لم يكن ليساوم عليها

إليها يعود كلّ فصل. وها هي في سطرٍ واحد. وفي ما يلي: بكلماته هو، وفي اللحظات التي امتحنتها.

الأسلوب · كيف تمسّك بها

الرحمة

ماءٌ للجيش الذي أُرسل ليوقفه. وترحيبٌ بالرجل الذي سدّ عليه الطريق ثم انحاز إليه.

العدل

على السلطة أن تُسأل عن معاملتها للناس

الحرية

لا خوفٌ ولا مكافأةٌ يملكان ضميرك

الكرامة

لا تشترِ حياتك بالذلّ

الحقّ

سمِّ الخطأ باسمه، ولو أمام أصدقائك

الضمير

لا قيمة لموقفٍ إلا إذا اختير بحرّيّة

الجذر · ما كان تحتها

الإيمان

وهو محاصَر، لم يطلب من أعدائه إلا شيئًا واحدًا: ليلةً واحدة — ليصلّي.

بكلماته

خمسة مبادئ، خمس لحظات

اختر مبدأً. ولكلٍّ منها: ما كان يعنيه بلغته، وما قاله، واللحظة التي امتحنته في كربلاء، وأين يلتقي بعالمك.

01 · العدل

العدل، في كلام الحسين، ليس شعورًا بل واجب. فحين تستحلّ السلطة ما حرّم الله وتعامل الناس بالعدوان، يصير كلّ من يرى ذلك مسؤولًا عمّا يفعله إزاءه — أو عمّا يقصّر في فعله.

أيّها الناس، إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: مَن رأى سلطانًا جائرًا، مستحلًّا لحُرَم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعلٍ ولا قول، كان حقًّا على الله أن يُدخله مُدخلَه

إلى أصحابه وجنود الحرّ، في البَيضة سجلّ تاريخي · الطبري

النصّ كما يرويه الطبري. ومعنى «أن يُدخله مُدخلَه»: أن يجعل مصيره مصيرَ ذلك السلطان الجائر.

سمعه في بيته · وصيّة أبيه

كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْمًا، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْنًا

وقبل ذلك بنحو عشرين عامًا، حين ضُرب عليٌّ في الكوفة وهو يحتضر، أوصى ابنَيه: «وَقُولَا بِالْحَقِّ، وَاعْمَلَا لِلْأَجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْمًا، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْنًا».

رواية نهج البلاغة، الكتاب 47

اللحظة · في الطريق

قالها للجيش الذي أُرسل ليقبض عليه

لم تكن موعظةً لأصدقاء في مسجد. قالها الحسين في الطريق شمالًا، للألف فارس الذين أُرسلوا ليأتوا به. ثم سمّى ما يراه: حكّامًا «أظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء».

سجلّ تاريخي الطبري، عن أبي مِخنَف

اليوم ولاءٌ يُشترى، ومؤسّساتٌ مختطَفة، ومالٌ عامّ في جيوبٍ خاصّة. لو عاش الحسين اليوم · الفساد

تحت المبادئ الخمسة وحولها

الجذر والأسلوب

منحه الإيمان سببًا لاحتمال الثمن، وحالت الرحمة دون أن يجعله الثمن قاسيًا. أربع لحظات، بالترتيب الذي وقعت به.

ماءٌ للرجال الذين أُرسلوا ليوقفوه

كان قد أمر فتيانه عند ماء شَراف أن يستقوا من الماء فيُكثروا. وعند الظهيرة ظهر في الأفق ألف فارسٍ بقيادة الحرّ، منهكين عِطاشًا. فأمر الحسين أصحابه أن يسقوهم جميعًا — والخيلَ أيضًا، قليلًا قليلًا لتشرب بأمان. وكان آخرَ من وصل منهم فارسٌ عجز عن الشرب من القِربة، فقام إليه الحسين وأمالها له بيده.

سجلّ تاريخي الطبري، عن أبي مِخنَف

ليلةٌ واحدة، للصلاة

عصر اليوم التاسع بدأ الجيش يزحف نحو المخيّم. فأرسل الحسين أخاه العبّاس يطلب شيئًا واحدًا: أن يُمهلوهم إلى الغد، «لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة، وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي قد كنتُ أحبّ الصلاة له، وتلاوةَ كتابه». فأُعطيت الليلة.

سجلّ تاريخي الطبري

وتذكر المصادر التعبّديّة أنّ أصحاب الحسين باتوا تلك الليلة في صلاةٍ ودعاء، «ولهم دويٌّ كدويّ النحل». رواية

ترحيبٌ بالرجل الذي عاد

بينما كان الجيش ينتظم في صفوفه، خرج منها الحرّ — القائد الذي حاصره هنا — متّجهًا نحو الحسين، وسأله هل من توبةٍ لمثله. فلم يذكّره الحسين بما فعل، بل قال له: نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك. وقُتل الحرّ في ما بعد من ذلك اليوم، يقاتل إلى جانب الحسين.

سجلّ تاريخي الطبري

الصلاة في قلب المعركة

عند الظهيرة نظر أحد أصحابه، أبو ثُمامة الصائدي، إلى الشمس، وذكّر الحسين بأنّ وقت صلاة الظهر قد حان: كان يحبّ أن يلقى الله وقد صلّاها. فسأل الحسين العدوّ أن يكفّوا عنهم حتى يصلّوا، فأبوا. فصلّى أصحابه على أيّ حال، صلاةَ الخوف التي تجيزها الشريعة عند القتال — يتناوبون: فريقٌ يحرس وفريقٌ يصلّي.

سجلّ تاريخي الطبري

وتضيف رواياتٌ متأخّرة أنّ أحد أصحابه، سعيد بن عبد الله الحنفي، وقف أمام الحسين يتلقّى عنه السهام حتى فرغ من الصلاة. رواية

العصر الأخير

في أواخر اليوم العاشر، تقول التواريخ التعبّديّة، اتّجه الجنود نحو الخيام التي احتمت بها النساء والأطفال. فصاح بهم الحسين، وقد أُثخن بالجراح وبقي وحيدًا:

«إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم»

رواية · ابن طاووس الخوارزمي

كان يخاطب رجالًا يصلّون نحو مكّة التي يصلّي نحوها. ومع ذلك لم يكن نداؤه في النهاية إلى العقيدة، بل إلى أبسط ما في الإنسان من مروءة: أنا من تقاتلون — فدعوا النساء والأطفال. لا تحتاج أن تشاركه إيمانه لتسمعه. يكفي أن تكون حرًّا.

تأويل العبارة المميّزة تلخيصٌ لما ترويه المصادر نفسها بعد ذلك

لماذا لا يكفي مبدأٌ واحد

كلّ مبدأٍ يحتاج إلى سائرها

أيّ فضيلةٍ تنفرد بنفسها قد تفسد. واللافت في الحسين ليس أنه امتلك واحدةً منها، بل أنه جمعها معًا — تحت ضغطٍ يدفع الناس عادةً إلى التخلّي عنها كلّها إلا واحدة.

العدل بلا رحمة

يصير انتقامًا

اتّهم النظام بالطغيان — ومع ذلك سقى الجنود الذين أرسلهم لقتاله.

الحرية بلا حقّ

تصير ضجيجًا

لم تكن حرّيّته أن يفعل ما يشاء، بل أن يأبى تسمية الكذب حقًّا، مهما كلّفه ذلك.

الكرامة بلا رحمة

تصير كِبرًا

أبى أن يُذَلّ — لكنه لم يحتج قطّ إلى إذلال أحد، ولا حتى الرجل الذي حاصره.

الحقّ بلا ضمير

يصير سلاحًا

صارح أتباعه بالحقائق الصعبة ليحرّرهم، لا ليكسب جدالًا.

الضمير بلا فعل

يصير ندمًا

دعا بنفسه رجلًا من الأشراف، فاعتذر وعرض عليه فرسه بدلًا من نفسه. ثم كتب بعد ذلك أبياتًا في ندمٍ مرير. حكايته ←

المبادئ الخمسة بلا جذر

تنكسر تحت الضغط

كان جذر الحسين الإيمان بالله. ولكلّ قارئ أن يسأل: ما جذرك أنت — ما الذي ستظلّ تقف عليه حين يُؤخذ منك كلّ شيءٍ آخر؟

تأويل تأمّلٌ في اللحظات الموثّقة أعلاه

توقّف وتأمّل

أيّ المبادئ الخمسة أصعبها عليك الآن؟

من المبادئ إلى يومٍ عاديّ

من السهل أن تُعجَب بالمبادئ على الورق. والفصلان التاليان ينزلان بها إلى أسبوعٍ عاديّ: المكتب الصامت، والشاشة، والترقية، والغريب — وأنماط السلطة التي رفضها الحسين، كما تبدو اليوم. كربلاء اليوم · لو عاش الحسين اليوم