03 السياق

العالم قبل كربلاء

كان الحسين في السادسة حين تُوفّي جدّه، وفي الخمسينيات من عمره حين انتقلت أمّة النبيّ من أبٍ إلى ابنه كما تُورَث أملاك العائلة. وما جرى بين هذين التاريخين يفسّر لماذا كانت بيعة رجلٍ واحد بهذه الأهمية.

ابدأ

بإيجاز

من مسجدٍ تحمله جذوع النخل إلى قصرٍ ذي قبّةٍ خضراء.

في سنة 632م تُوفّي النبيّ محمد في المدينة، تاركًا جماعةً من المؤمنين تمتدّ على معظم جزيرة العرب — من غير جوابٍ متّفقٍ عليه عن سؤال: مَن يقودها؟ وفي أقلّ من ربع قرن كانت تلك الجماعة قد اجتاحت الإمبراطورية الفارسية وأغنى ولايات الإمبراطورية البيزنطية، وخاضت أولى حروبها الأهلية. وفي غضون خمسين عامًا صارت تحكمها أسرةٌ حاكمة.

لم يحدث شيءٌ من ذلك لأنّ الناس كفّوا عن الإيمان. فكثيرون ممّن خدموا الدولة الجديدة كانوا مسلمين صادقين، وكثيرٌ من إنجازاتها كان حقيقيًّا. لكنّ السلطة والثروة وبُعد المسافة غيّرت معنى القيادة. والسؤال الذي واجهه الحسين سنة 680م — أيبايع يزيد أم لا — لا يُفهم إلا على خلفية نصف القرن هذا من التحوّل.

يروي هذا الفصل تلك الحكاية بأكبر قدرٍ ممكن من الإنصاف. فالسنّة والشيعة يتذكّرون بعض فصولها على نحوٍ مختلف؛ وحيث يختلفون، نقول ذلك.

عاصمتان، بينهما خمسون عامًا

ما الذي تغيّر

اسحب المقبض. في جهةٍ المدينةُ في سنوات النبيّ الأخيرة، وفي الأخرى دمشقُ في أواخر عهد معاوية. المقارنة مبسّطة — مثالٌ أعلى إلى جانب واقعٍ مُمارَس — لكنّ كثيرًا من مسلمي ذلك الزمن أحسّوا بها إحساسًا حادًّا.

المدينة · نحو 630م

مسجدٌ من جذوع النخل

كان مسجد النبيّ فناءً مسوّرًا، تحمل جذوعُ النخل سقفَه المصنوع من الجريد. وكان في آنٍ واحد بيتَ صلاةٍ ومجلسَ قضاءٍ ومدرسةً ومأوى، يسكن صُفّتَه فقراءُ المؤمنين ممّن لا مأوى لهم. وكان قائد الجماعة يأكل معهم، ويخصف نعله بيده، ويُنتظَر منه أن يشاور أصحابه.

دمشق · نحو 680م

قصرٌ يُدعى الخضراء

حكم معاوية من «الخضراء»، قصرٍ سُمّي بلون قبّته. ووقف الحرس والحُجّاب بين الحاكم والمحكوم. وانتقلت السلطة من الأب إلى الابن، وأبقت العطايا من بيت المال زعماءَ القبائل على الولاء.

المدينة سنة 630م مقارنةً بدمشق سنة 680م
المدينة · نحو 630مدمشق · نحو 680م
القيادةبالقدوة والشورىبالوراثة، من الأب إلى الابن
مقرّ الحكممسجدٌ من جذوع النخل، مفتوحٌ للجميعقصرٌ وبلاطه
بين الحاكم والناسلا شيء — كان الفقراء يأكلون معهالحرس والحُجّاب
ما الذي ضمن الولاءقناعةٌ مشتركةالعطايا والامتيازات لزعماء القبائل

تأويل مقارنةٌ بين المُثُل والممارسة، لا صورةٌ كاملة لأيٍّ من المدينتين. فقد كانت للمدينة خلافاتها، وكان في دمشق إداريّون أكفاء ومؤمنون صادقون. ما تغيّر هو معنى القيادة.

وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ… فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ

عليٌّ إلى مالك الأشتر، واليه الجديد على مصر، نحو سنة 658م رواية · نهج البلاغة، الكتاب 53

وفي العهد نفسه يوصي عليٌّ واليَه ألّا يقول: «إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ». وبعد اثنين وعشرين عامًا كان الأمر إلى والي المدينة أن يأخذ البيعة «أخذًا شديدًا ليست فيه رخصة».

قبل أن نبدأ

ستّ كلماتٍ لخمسين عامًا

الخليفة خليفة

لغةً: مَن يخلُف غيره

لقب القادة الذين خلفوا النبيّ على رأس الأمّة. ولم يكن الخليفة نبيًّا: فهو لا يأتي بوحي، وإنّما يحكم به.

البيعة بيعة

عهد الولاء والطاعة

تعهّدٌ علنيّ بالولاء، يُعقد بالمصافحة على يد الحاكم. وبها كانت تثبت شرعية الحاكم — ولهذا كان لرفض رجلٍ واحد أن يحمل كلّ هذا الوزن.

بنو هاشم وبنو أميّة هاشم وأمية

بطنان من قريش، قبيلة مكّة

إلى بني هاشم ينتمي النبيّ وعليّ والحسين. أمّا سيّد بني أميّة، أبو سفيان، فقاد حرب مكّة على النبيّ حتى سنة 630م — مع أنّ آخرين من بني أميّة، كعثمان، كانوا من أوائل المسلمين. ومعاوية هو ابن أبي سفيان.

الشيعة شيعة

لغةً: الأنصار والأتباع

من «شيعة عليّ»، أي أنصاره: وهم الذين رأوا أنّ القيادة لعليّ، ومن بعده لذرّيته من فاطمة.

الفتنة فتنة

لغةً: الابتلاء والاضطراب

الكلمة التي يُطلقها المسلمون على الحرب الأهلية. وقد صاغ الخوفُ من فتنةٍ أخرى — يقتل فيها المؤمنُ المؤمنَ — خياراتِ كثيرٍ من المتديّنين سنة 680م.

الأشراف أشراف

وجوه القوم

زعماء القبائل، ولا سيّما في الكوفة. كان الولاة يحكمون من خلالهم، فيمنحونهم العطايا والامتيازات مقابل ضبط أبناء قبائلهم.

632 – 680

خمسون عامًا في إحدى عشرة لحظة

من اجتماعٍ في سقيفة إلى رسالةٍ من قصر: كيف صارت جماعة المؤمنين إمبراطورية، وصارت الإمبراطورية إرثًا عائليًّا.

  1. 632 وفاة النبيّ

    اجتماعٌ في السقيفة

    يُتوفّى النبيّ محمد في المدينة في يونيو 632م. وبينما ينشغل أهل بيته، وعلى رأسهم عليّ، بتجهيزه للدفن، يجتمع كبار المسلمين في سقيفة بني ساعدة، ويختارون صاحبه المقرّب ووالد زوجته، أبا بكر، خليفةً.

    يرى أهل السنّة في ذلك اختيارًا مشروعًا من الأمّة. ويعتقد الشيعة أنّ النبيّ كان قد سمّى عليًّا من قبل — ولا سيّما في غدير خمّ، حين قال، وهو عائدٌ من حجّته الأخيرة قبل ذلك بأشهر: «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه». ويقبل علماء السنّة الحديث، لكنّهم يفهمون المولى بمعنى المحبّ أو النصير؛ ويفهمه علماء الشيعة بمعنى وليّ الأمر — أي تعيينًا. وقد أمسك عليٌّ عن البيعة بضعة أشهر ثم بايع.

    سجلّ تاريخي الطبري · حديث الترمذي وأحمد؛ صحيح البخاري

  2. 634 – 644 عمر

    سقوط إمبراطوريتين

    يُتوفّى أبو بكر بعد عامين، بعد أن عهد بالخلافة إلى عمر بن الخطّاب. وفي عهد عمر تهزم الجيوش العربية المسلمة القوّتين العظميين في ذلك العصر: البيزنطيين عند نهر اليرموك في الشام (636م)، والفرس الساسانيين في القادسيّة بالعراق (نحو 636م). وتُؤسَّس مدن الحاميات — ومنها الكوفة — وتتدفّق ثروات الإمبراطوريتين على المدينة، حيث يُنشئ عمر الديوان لصرف العطاء. وفي الشام تؤول الولاية إلى معاوية بن أبي سفيان. وفي سنة 644م يُغتال عمر في مسجد المدينة.

    سجلّ تاريخي الطبري، البلاذري

  3. 644 – 656 عثمان

    خليفةٌ من بني أميّة

    يختار مجلسٌ من ستّةٍ من كبار الصحابة، بينهم عليّ، عثمانَ بن عفّان — وهو من السابقين إلى الإسلام، وصهر النبيّ مرّتين، ومن بني أميّة. يجمع الأمّة على مصحفٍ مكتوبٍ واحد. لكنّه يولّي كثيرًا من أقاربه على الأمصار، فتتعالى الشكاوى من المحاباة وجَور القسمة في المال. وفي سنة 656م يحاصره ثائرون من مصر والعراق في داره بالمدينة ويقتلونه. وتذكر مصادر عدّة أنّ عليًّا أرسل ابنيه الحسن والحسين ليُعينا على حراسة باب عثمان.

    سجلّ تاريخي الطبري، البلاذري

  4. 656 – 661 عليّ والفتنة الأولى

    المؤمن في وجه المؤمن

    تتّجه المدينة إلى عليّ، فيتولّى الخلافة وينقل عاصمته إلى الكوفة. وفي غضون أشهر تنقسم الأمّة. ففي معركة الجمل قرب البصرة (656م) يهزم جيشًا تقوده عائشة، زوج النبيّ، ومعها الصحابيّان طلحة والزبير، يطالبون بالثأر لعثمان. وفي صفّين على الفرات (657م) يواجه معاوية، الذي يرفض الاعتراف به حتى يُقتصّ من قتلة عثمان.

    وكان ممّن قُتلوا في صفّين، يقاتل مع عليّ، عمّارُ بن ياسر، من أوائل المسلمين، وقد صار يومئذٍ شيخًا كبيرًا. وقبل ذلك بعقود، يوم كان المسلمون يبنون مسجد النبيّ، رآه النبيّ يحمل لَبِنتين لبنتين، فجعل ينفض التراب عنه ويقول: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ». وقد قرأ علماء السنّة والشيعة على السواء هذا الحديث دليلًا على أنّ الحقّ في صفّين كان مع عليّ، ويضيف كثيرٌ من علماء السنّة أنّ مَن قاتلوه كانوا متأوّلين أخطؤوا.

    وحين يرفع جنود الشام المصاحف على رماحهم، يتوقّف القتال للتحكيم. فيرفضه بعض رجال عليّ أنفسهم — «لا حُكمَ إلا لله» — وينشقّون عنه: إنّهم الخوارج.

    سجلّ تاريخي الطبري، عن أبي مِخنَف وغيره · حديث صحيح البخاري 447؛ صحيح مسلم 2916

  5. 661 مقتل عليّ

    ضُرب في صلاة الفجر

    في يناير 661م يضرب خارجيٌّ هو عبد الرحمن بن مُلجَم عليًّا بسيفٍ مسموم في مسجد الكوفة أثناء صلاة الفجر، فيُتوفّى بعد يومين. وفي الكوفة يُبايَع ابنه الأكبر الحسن بالخلافة.

    سجلّ تاريخي الطبري، ابن سعد

  6. 661 صلح الحسن

    صلحٌ لحقن الدماء

    في مواجهة جيش معاوية، وقد تفرّقت قوّاته — إذ انحاز بعض قادته إلى الطرف الآخر — يعقد الحسن الصلح ويتنازل عن السلطة حقنًا لدماء المسلمين. ويسمّي المؤرّخون السنّة سنة 661م «عام الجماعة». وتذكر مصادر عدّة أنّ من شروط الصلح ألّا يعهد معاوية لأحدٍ من بعده؛ فبعضها يقول إنّ الأمر يعود إلى اختيار الأمّة، وبعضها إلى الحسن نفسه. والشروط على وجه الدقّة موضع خلاف.

    سجلّ تاريخي البلاذري، الدينوري · موضع خلاف شروط الصلح

  7. 661 – 680 معاوية

    العاصمة تنتقل إلى دمشق

    معاوية، والي الشام منذ نحو عشرين عامًا، يحكم الآن الدولة كلّها من دمشق، معقل جيشه الشاميّ الموالي. ويغادر مركزُ السلطة مدينةَ النبيّ، ولا يعود إليها أبدًا. ويواصل الحسين حياته في المدينة، وفيًّا لصلح أخيه.

    سجلّ تاريخي الطبري، اليعقوبي

  8. 670 وفاة الحسن

    رحيل السِّبط الأكبر

    يُتوفّى الحسن في المدينة؛ وتقول المصادر الشيعية وكثيرٌ من المصادر السنّية إنّه مات مسمومًا. فيصبح الحسين كبيرَ بيت النبيّ. ويكتب إليه أهل الكوفة يحثّونه على الخروج، فيأبى ما دام معاوية حيًّا.

    سجلّ تاريخي البلاذري، الدينوري

  9. 671 حُجر بن عديّ

    ثمن الاحتجاج

    في الكوفة كان الولاة يلعنون عليًّا على المنبر في صلاة الجمعة. فاحتجّ حُجر بن عديّ — وهو من صحابة النبيّ ومن أخلص أتباع عليّ — مرّةً بعد مرّة. فأرسله الوالي زياد إلى معاوية مكبّلًا بالحديد مع جماعةٍ من أصحابه. وفي مرج عذراء، قرب دمشق، قُتل حُجر وعددٌ منهم بعد أن رفضوا البراءة من عليّ.

    سجلّ تاريخي الطبري

  10. نحو 676 وليّ العهد

    الابن خليفةً

    يشرع معاوية في أخذ البيعة لابنه يزيد وليًّا للعهد — في الشام أولًا، ثم في العراق، ثم في المدينة ومكّة — بالإقناع والعطايا والضغط. ويرفض نفرٌ قليل من أبناء كبار الصحابة، منهم الحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر. ولم يسبق لحاكمٍ مسلم أن جعل ابنه خليفةً من بعده.

    سجلّ تاريخي الطبري

  11. أبريل – مايو 680م الرسالة

    «أخذًا شديدًا ليست فيه رخصة»

    يموت معاوية في دمشق في رجب سنة 60 هـ. وأوّل رسالةٍ يكتبها يزيد تذهب إلى الوليد بن عتبة، والي المدينة: أن يأخذ الحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بالبيعة «أخذًا شديدًا ليست فيه رخصة».

    سجلّ تاريخي الطبري · ماذا جرى في تلك الليلة ←

السنّة والشيعة

ذاكرتان للسنوات نفسها

يعود معظم الخلاف بين السنّة والشيعة إلى العقود التي تتناولها هذه الصفحة — وقبل كلّ شيء إلى سؤال: مَن كان ينبغي أن يقود الأمّة بعد النبيّ؟ وفي ما يلي، بأوجز عبارةٍ وأكبر قدرٍ من الإنصاف، كيف يتذكّرها كلٌّ منهما.

كيف ينظر أهل السنّة إلى هذه المرحلة؟

عند أهل السنّة — وهم اليوم الغالبية الكبرى من المسلمين — أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ هم الخلفاء الراشدون، وعصرهم عصرٌ ذهبيّ. ويُجَلّ الصحابة جميعًا، وتُذكر الحرب الأهلية مأساةً أخطأ فيها أناسٌ صادقون.

ويرى كثيرٌ من علماء السنّة أيضًا أنّ الخلافة الحقّة انتهت بعد عليّ والحسن وتحوّلت إلى مُلك، مستندين إلى حديثٍ للنبيّ مفاده أنّ الخلافة تدوم ثلاثين سنة ثم تصير مُلكًا.

حديث أبو داود، الترمذي

وكيف ينظر إليها الشيعة؟

عند الشيعة، نصّ النبيّ على عليٍّ خليفةً له، وكانت القيادة لسلسلةٍ من الأئمّة من أهل بيته: عليّ، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم — في أكبر فرقهم، الإماميّة الاثني عشرية — تسعةٌ من ذرّية الحسين. ويُنظر إلى ما تقرّر سنة 632م على أنّه أوّل عدولٍ عن ذلك النصّ، وإلى كربلاء على أنّها أفظع عواقبه.

بماذا أوصى النبيّ الأمّةَ في أهل بيته؟

يحفظ الفريقان الجواب. فقد روى زيد بن أرقم، وقد كبرت سنّه، أنّ النبيّ قام خطيبًا بماءٍ يُدعى خُمًّا بين مكّة والمدينة، في طريق عودته من حجّته الأخيرة، فقال: «وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ… وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» — قالها ثلاثًا. ولمّا سُئل زيدٌ عنهم قال إنّ نساءه من أهل بيته، «وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ»: آلُ عليّ، وآلُ عقيل، وآلُ جعفر، وآلُ العبّاس. وفي رواية الترمذي زيادة: «وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، وهي عبارةٌ يعدّها علماء الشيعة أصلًا من الأصول.

وبعد ثمانيةٍ وأربعين عامًا قُتل في كربلاء معًا أبناءٌ لعليّ، ولعقيل، ومن ذرّية جعفر. والشيخ الذي صرخ محتجًّا في قصر الوالي بالكوفة لم يكن سوى زيد بن أرقم نفسه. الفصل 6 ←

حديث صحيح مسلم 2408؛ الترمذي 3788، وقال: حسنٌ غريب — أي حسنٌ وإن انفرد بإسناده

هل يتّفقون على كربلاء؟

في معظم الأمر، نعم. فالمؤرّخون السنّة والشيعة ينهلون من الروايات المبكرة نفسها، والمسلمون من الفريقين يُجلّون الحسين سِبطًا للنبيّ وشهيدًا. ويختلفون أكثر حول ما سبق ذلك — وحول الدلالة العقدية لمقتله.

لماذا تختلف المصادر أحيانًا؟

كُتبت التواريخ التي نعتمد عليها بعد الأحداث بقرنٍ أو أكثر، ومعظمها في ظلّ الدولة العبّاسية، التي أطاحت بالأمويين سنة 750م وكانت لها دوافعها الخاصّة لتصويرهم في أقتم صورة. ولذلك يقرأ المؤرّخون هذه الأخبار بحذر. ومع ذلك، فإنّ الأحداث الرئيسية في هذا الفصل مرويّةٌ في مصادر كثيرة مستقلّة.

كيف نميّز بين الأدلّة

الأب والابن

حاكمان، بإنصاف

من السهل أن نجعل منهما شرّيرَين. لكنّ المصادر لا تسمح بذلك تمامًا — وهذا ما يجعل الحكاية أكثر إقلاقًا.

حكم 661 – 680

معاوية بن أبي سفيان

ابن أبي سفيان، أسلم قرابة دخول مكّة في طاعة النبيّ سنة 630م، وقضى نحو عشرين عامًا واليًا على الشام قبل أن يحكم الدولة كلّها.

يُحسب له

  • دولةٌ مستقرّة بعد الحرب الأهلية: جيشٌ منضبط، وإدارةٌ فاعلة، وأوّل أسطولٍ إسلامي.
  • حِلمٌ اشتهر به، وموهبةٌ في استمالة الناس بدل قتالهم.

يُؤخذ عليه

  • جعلُ لعن عليٍّ على المنابر أمرًا مألوفًا. ويروي صحيح مسلم أنّه سأل الصحابيّ الكبير سعد بن أبي وقّاص عمّا يمنعه من سبّ عليّ — فأبى سعد، وذكر ثلاثًا سمعهنّ من النبيّ في عليّ. واستمرّت هذه العادة حتى أبطلها الخليفة الأمويّ عمر بن عبد العزيز نحو 717–720م.
  • قتلُ حُجر بن عديّ وأصحابه.
  • خرقُ السابقة بجعل ابنه وليًّا لعهده.

سجلّ تاريخي الطبري · حديث صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة

حكم 680 – 683

يزيد بن معاوية

نشأ في الشام، وجعله أبوه وليًّا للعهد نحو سنة 676م، وتولّى الحكم وهو في الثلاثينيات من عمره، ومات بعد ثلاث سنواتٍ ونصف.

صورته في المصادر

  • يصوّره الإخباريّون الأوائل، وكثيرٌ منهم سنّة، منصرفًا إلى الصيد والخمر والملذّات.
  • ويحذّر مؤرّخون معاصرون من أنّ هذه الصورة ربّما لوّنها عداءٌ لاحقٌ لأسرته الحاكمة.

سجلّه

  • كربلاء (680م).
  • استباحة المدينة بعد وقعة الحرّة (683م)، حين سحق جيشه ثورةً في مدينة النبيّ.
  • حصار مكّة لقتال ابن الزبير (683م)، الذي احترقت خلاله الكعبة.

وقد اختلف فيه علماء السنّة قرونًا. فبعضهم، كالعالم الحنبليّ ابن الجوزي (ت. 1201م)، أجاز لعنه؛ وبعضهم، كالغزالي (ت. 1111م)، منعه، بحجّة أنّه لا يثبت أنّه أمر بقتل الحسين، وأنّه لا يجوز لعن مسلمٍ بعينه.

سجلّ تاريخي الطبري · تأويل ابن الجوزي، الغزالي

مدينة الرسائل

الكوفة

بدأت الكوفة نحو سنة 638م معسكرًا للجنود العرب على الفرات، في العراق. وسرعان ما نمت لتصبح مدينةً متعدّدة القبائل والآراء: فيها قدامى مقاتلي الفتوح، والوافدون الجدد من جزيرة العرب، والداخلون في الإسلام، وأهل الأرض الأصليّون.

وفي سنة 656م اتّخذها عليّ عاصمةً له، وسكنها كثيرٌ من أخلص أتباعه — شيعة عليّ، وهي العبارة التي جاءت منها كلمة «الشيعة». وفيها أيضًا ضُرب، وهي التي خذل جيشُها ابنه الحسن.

وفي عهد معاوية أُمسكت الكوفة بقبضةٍ محكمة. فقد حكم زيادُ بن أبيه — وسُمّي كذلك لأنّ نسبه ظلّ مجهولًا حتى استلحقه معاوية أخًا له من أبيه — الكوفةَ والبصرة معًا من سنة 670م حتى وفاته سنة 673م، بالعيون وحظر التجوّل والعقوبات الرادعة. أمّا زعماء القبائل، الأشراف، فكانوا يُستبقَون على الولاء بالعطايا والامتيازات، ويُنتظَر منهم أن يضبطوا أبناء قبائلهم.

وتعلّم ابنُ زياد، عبيد الله بن زياد، والي البصرة، الأساليبَ نفسها. وفي سنة 680م رأى يزيد أنّ والي الكوفة، الصحابيّ النعمان بن بشير، ليّنٌ أكثر ممّا ينبغي، فضمّ الكوفة إلى عبيد الله أيضًا — وأمره أن يتصدّى للحسين.

سجلّ تاريخي الطبري، البلاذري

السؤال الكامن

باسم الله؟

بحلول سنة 680م كان حاكم العالم الإسلامي يحمل لقب الخليفة — خليفة رسول الله — وتُطلَب طاعته باسم الله. ومع ذلك، كان بوسعه، في أكثر الروايات، أن يتجاهل شرع الله في حياته الخاصّة، وأن ينتهكه في معاملته للآخرين. فهل يحقّ لمثله أن يدّعي الحكم نائبًا عن الله؟ أكانت طاعته واجبةً على أيّ حال، حفاظًا على السلم؟ أم أنّ الواجب صار أن يُقال له: لا؟

وقد أعطى مسلمون صادقون كلّ واحدٍ من هذه الأجوبة. أمّا جواب الحسين فمحفوظٌ في خطبةٍ ألقاها في طريقه إلى العراق — أمام الجنود أنفسهم الذين أُرسلوا لاعتراضه.

مَن رأى سلطانًا جائرًا، مستحِلًّا لحُرَم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعلٍ ولا قول، كان حقًّا على الله أن يُدخِله مُدخَله

الإمام الحسين، راويًا عن النبيّ، أمام جنود الحُرّ سجلّ تاريخي · أبو مِخنَف عند الطبري

توقّف وتأمّل

لو طالبك قائد جماعتك ببيعةٍ علنية، وأنت تعتقد أنّه فاسد، فماذا كنت ستفعل؟